عمرو محفوظ.. مهندس الثقة في زمن الدولة الرقمية
في مسار التحول الرقمي، تتجه الأنظار عادةً إلى التطبيقات والمنصات والخدمات التي يراها المواطن يوميًا. لكن خلف هذه الواجهة المرئية، توجد طبقات أكثر تعقيدًا تشكل العمود الفقري للدولة الرقمية. في هذا السياق، يبرز اسم المهندس عمرو محفوظ كأحد أبرز مهندسي البنية غير المرئية التي تقوم عليها منظومة الثقة الرقمية في مصر عام 2026.
من الرقمنة إلى الحوكمة الرقمية
لم يكن التحول الذي قاده محفوظ داخل شركة "دلتا" مجرد توسع في ميكنة الخدمات أو تحديث للأنظمة التقليدية، بل انتقال نوعي من مفهوم "الرقمنة" إلى مفهوم "الحوكمة الرقمية". الفارق بين الاثنين جوهري؛ فبينما تركز الرقمنة على تحويل المعاملات إلى صيغة إلكترونية، تهدف الحوكمة الرقمية إلى ضبط مسارات القرار، وتأمين البيانات، وخلق بيئة تقنية تضمن الاستدامة والسيادة.
هذا التحول تجسد بوضوح في التوسع القومي لمنظومة التوقيع الإلكتروني "Delta Trust"، التي لم تعد مجرد خدمة تقنية، بل أصبحت ركيزة أساسية في بنية الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالتوقيع الإلكتروني في صورته الحديثة لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة لضمان سلامة المعاملات وحمايتها قانونيًا وتقنيًا.
إعادة هندسة القطاع الصحي
في ملف المستشفيات الجامعية، اتخذ التحول مسارًا أكثر تعقيدًا. لم يقتصر الأمر على إدخال أنظمة معلومات جديدة، بل امتد إلى إعادة هندسة كاملة لمسارات العمل داخل المنظومة الصحية. من تسجيل البيانات إلى تحليلها، وصولًا إلى دعم القرار الطبي، جرى دمج أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن إطار حوكمي يضمن دقة النتائج وأمن المعلومات.
هذه المقاربة تعكس فلسفة محفوظ في إدارة التحول: التكنولوجيا ليست غاية في ذاتها، بل أداة لإعادة تصميم العمليات بطريقة أكثر كفاءة وأمانًا. والهدف لم يكن تسريع الخدمة فقط، بل ضمان قدرتها على الصمود والتطور لسنوات مقبلة.
السيادة الرقمية كأولوية استراتيجية
في عام تتسارع فيه المنافسة العالمية حول البيانات والبنية التحتية الرقمية، أصبح مفهوم السيادة الرقمية أكثر حضورًا. ويبدو أن محفوظ تبنى هذا المفهوم مبكرًا، من خلال التركيز على بناء أنظمة تعتمد على حلول محلية ومعايير وطنية، بما يحد من الاعتماد المفرط على منصات خارجية.
هذا التوجه لا ينعكس فقط على الأمن السيبراني، بل يمتد إلى بناء قدرات وطنية قادرة على تطوير وتصدير الخدمات الرقمية، ما يعزز من موقع مصر في سوق التعهيد والخدمات التكنولوجية عالميًا.
قيادة من خلف الكواليس
على خلاف بعض النماذج القيادية التي ترتبط بالحضور الإعلامي المكثف، يأتي دور محفوظ في مساحة مختلفة؛ مساحة العمل الهادئ على البنية التحتية التي لا يراها المستخدم النهائي، لكنها تحدد جودة تجربته اليومية. فكل معاملة إلكترونية مؤمنة، وكل توقيع رقمي معتمد، وكل نظام صحي يعمل دون تعطّل، يحمل بصمة هذا النوع من القيادة التقنية.
في نهاية المطاف، قد لا يعرف المواطن اسم من صمم هذه الطبقات المعقدة، لكنه يشعر بنتيجتها في صورة خدمات أكثر أمانًا وسلاسة. وهنا تكمن أهمية الدور الذي يلعبه عمرو محفوظ في مشهد التحول الرقمي لعام 2026: ليس كواجهة، بل كمهندس لأساس الدولة الرقمية.


